فخر الدين الرازي

552

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أما قوله تعالى : وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل . فإن قيل : كيف أعمل « مخرج » وهو في معنى المضي ؟ قلنا : قد حكى ما كان مستقبلًا في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله : باسِطٌ ذِراعَيْهِ [ الكهف : 18 ] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما « ادارأتم ، فقلنا » ثم فيه مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة قوله : وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي لا بد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لا بد وأن يفعل ذلك ، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سبباً للفتن والفساد واللّه لا يحب الفساد فلأجل هذا قال : لا بد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد ، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه . المسألة الثانية : الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه . المسألة الثالثة : تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن اللّه سيظهره . قال عليه الصلاة والسلام : « إن عبداً لو أطاع اللّه من وراء سبعين حجاباً لأظهر اللّه ذلك على ألسنة الناس » وكذلك المعصية . وروي أن اللّه تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : « قل لبني إسرائيل يخفون لي أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم » . المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله : ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يتناول كل المكتومات ثم إن اللّه تعالى أراد هذه الواقعة . أما قوله تعالى : فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ففيه مسائل : المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها ، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى : فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها للتعقيب ، وذلك يدل على أن قوله : اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها حصل عقيب قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً . المسألة الثانية : الهاء في قوله تعالى : اضْرِبُوهُ ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله : ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ . المسألة الثالثة : يجوز أن يكون اللّه تعالى إنما أمر بذبح البقرة ، لأنه تعلق بذبحها مصلحة / لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول ، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين ، بل على التخير بينها وبين غيرها وهاهنا سؤالان : السؤال الأول : ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن اللّه تعالى قادر على أن يحييه ابتداء ؟ الجواب : الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة ، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به ، إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم ، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند اللّه لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان .